Welcome to
اتصل بالمشرف: الأستاذ مدهارالرئيسيةالخيمة التربويةالمذكرات والمستجداتشارك بمقالطباعة


مقالات تربوية

الخيمة التربوية

إنتاجات تربوية

شجرة المحتويات النشطة
يوجد مشكلة في هذه المجموعة.

دورات وندوات للتنزيل


منهجية التغيير

زاوية الأعضاء

مواضيع مقترحة

مقالات تربوية
[ مقالات تربوية ]

·بلاغ حول مهرجان القراءة
·ربط التعليم بالمحيط الاقتصادي
·محنة التربية
·واقع التعليم
·اهداف النشاط الادماجي في التعلم
·البحث التربوي الاجرائي
·قواعد التفكير المنهجي في القرآن الكريم
·حميد بن خيبش
·العوائق التي تقف أمام استخدام الإنترنت في التعليم

البحث



أنت الزائر
Counter

كتب د هارون يحيى كود فك الضغط medharweb




  
مكانة القيم في مسار إصلاح منظومة التربية والتكوين
بتاريخ 25-12-1429 هـ
القسم: مقالات ذ توفيق التضمين
يمكنكم مراسلتنا والمساهمة بمقالات مشابهة المشرف العام الأستاذ أحمد مدهار نشكركم:


مكانة القيم في مسار إصلاح منظومة التربية والتكوين
أو
أي تعليم لأي مستقبل ؟


لا يجادل اثنان في الدور الذي تضطلع به التربية في توجيه الأمم والشعوب وصولا إلى تحقيق غاياتها الكبرى وأهدافها المرصودة على المديين المتوسط والبعيد تأسيسا على منهاج معين ووفق اختيارات ومداخل محددة ، ومخرجات معينة بشكل تقريبي أو نسبي .
وتأسيسا على ذلك ، فإن تحديد معالم السياسة التربوية لبلد ما تتجسد في المنهاج الدراسي بكل مكوناته ، بمعنى أن المدرسة تلعب دورا لا يستهان به في توجيه دفة التنمية من أجل تحقيق الحاجات الآنية والمستقبلية لأبناء هذا المجتمع أو ذاك ، ومن ثم كانت المدرسة عاملا لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال في الرفع من القيمة المضافة المدعمة لإنتاجية الأمم والشعوب .
فالنظم التربوية في العالم تحدد وتصوغ حاجيات الأمم من منظور مستقبلي في شكل مدخلات ومخرجات ، وتعهد إلى وكلاء التربية مهمة العمل على تحقيقها لدى الناشئة ، فالغايات ينبغي أن تحقق أو على الأقل توضع اللبنات الأساسية لتحقيقها من خلال مخرجات المنظومة التربوية ككل ، وهذه الغايات هي التي تحدد مسار التربية المستهدف ، وبمعنى آخر ، فإن غايات التربية والتعليم في كل بلد ، تحاول الإجابة على سؤال جوهري وأساسي وهو ، أي تعليم نستهدف لأي مستقبل ؟.

وبطبيعة الحال ، لا يمكن تحقيق تلك الغايات بالاقتصار على تحديد غايات التربية ، ورسم سياستها في شكل مدخلات ومخرجات للنظام التربوي وكفى ، بل من الضروري الاهتمام أيضا وبشكل أساسي بالعنصر البشري الموكول إليه تدبير وتنفيذ هذه المهمة النبيلة ، ومن ثم ، فالسؤال الأساسي في اعتقادنا فيما يخص هذا العنصر يجب أن ينصب حول فعالية تكوين الفئات التي يعهد إليها تنفيذ هذا المسار المبلغ للمستقبل ، فكل من يريد أن يضع أسسا لنظام تربوي ما محددا في المنهاج كوسيلة أساسية لبلوغ الغايات المرسومة ، لا بد أن يضع في الاعتبار الحاجات الآنية والمستقبلية للأمة بكل مكوناتها ، إلى جانب تكوين فاعل للمكلفين بتنفيذ المنهاج ، فحاجات صغار اليوم وتطلعاتهم المستقبلية قد لا تتطابق جملة وتفصيلا مع حاجات الراشدين ، ولذا كان لزاما أن يدخل المتعلم كفاعل ومعبر عن رأيه ، ولا بد أن يؤخذ برأيه وتصوره المعبر عن حاجاته ، والنظر إلى هذا التصور في إطار واقع الحال و انتظارات المستقبل ، أكيد أننا سوف نجد العديد من نقط التقاطع التي ينبغي أن تكون محل إجماع بين تصور الراشدين والناشئة ، في حين تبقى أساليب ووسائل التنفيذ مجالات واسعة للاجتهادات والابتكار ، وهنا نجد أنفسنا أمام مجموعة كبيرة من الأسئلة الجوهرية حول كيفية التوفيق بين تطلعات المتعلمين والراشدين في كل مجتمع .

نخلص من كل هذا إلى أن للتربية والتعليم دور هام في بلورة الأفكار والتوجهات والاختيارات المفيدة المؤدية إلى تحقيق الانسجام المطلوب بين كل الفاعلين التربويين ، من أجل خدمة الغايات الكبرى ؛ لكن هذا المتعلم المستهدف بالتربية والتعليم ، ماذا ينتظر من جهده التربوي التعليمي التعلمي الذي يبذله ؟ ما هي طموحاته و تطلعاته ومؤهلاته التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار ؟ وهل هذه التطلعات تتوافق مع قيم ومكونات الحضارة التي ينتمي إليها ، بل القيم الإنسانية النبيلة كلها ؟ وما إلى ذلك من الأسئلة .

و المدرس والمشرف التربوي كمسؤولين تربويين أساسيين على تنظيم وتخطيط وتنفيذ وتقويم المنهاج ، إلى إي حد يمتلكان من الناحية النظرية والعملية ، الأدوات الضرورية اللازمة لتحقيق وتقويم مخرجات المنظومة التربوية بفعالية تتجاوز التعثرات ومعوقات التعليم والتعلم ؟ وهل هما مؤهلان في ظل المستجدات لتطوير إمكاناتهما الذاتية ، لمسايرة تطورات العصر ولغته الإعلامية ؟ أم هما خارج إطار عصرهما ، لا يزالان منغمسين حتى النخاع في الممارسات التقليدية ؟ ، وهل الترسانة التوجيهية التي حكمتهما في الوضع السابق على الإصلاح لا تزال صالحة لتطوير الممارسات في ضوء المستجدات وحركية الإصلاح ؟ .

ولا تستثنى الإدارة التربوية في هذا الوضع أيضا ، والتي من أهم أدوارها تيسير تحقيق الغايات المسطرة للمنظومة التعليمية ككل ، هل هي إدارة ذات أطر مؤهلة ومكونة تكوينا حديثا بإمكانه مسايرة المستجدات بما فيه الكفاية ، ويحقق الحد الأدنى من تلك الغايات ؟ وهل تتوفر على وسائل العمل المادية والمعنوية الضرورية المساعدة على تحقيق الانسجام اللازم بين كل الفاعلين داخل المؤسسات التعليمية ومكونات محيطها الاجتماعي والاقتصادي ؟ وهل ترسانتنا القانونية الراهنة في شقها الإداري لا زالت فاعلة وصالحة في ظل الإصلاحات والاختيارات الجديدة ؟ وما إلى ذلك من التساؤلات التي تبقى معلقة وتنتظر الجواب .

لا يمكن للمدرسة وحدها أن تقوم بعمل جبار كهذا ، إلا إذا كانت منفتحة على محيطها الاجتماعي والاقتصادي والطبيعي ، محليا ودوليا ، وبالمرونة اللازمة ، لأن أية أمة في العصر الحديث لا يمكنها أن تعزل نفسها عن محيطها الدولي كما فعلت الصين مثلا ذات فترة من تاريخها الحديث ، بل الواقع يفرض على المدرسة في صيغتها الجديدة ، التعامل مع جميع معطيات الواقع بحمولتيه التقليدية والحديثة بشكل منفتح ومرن ، ومن ثم كانت روح الميثاق الوطني للتربية والتكوين ومهمته الأساسية تتحدد في تحديث المنظومة التربوية المغربية بما لا يتعارض مع منظومة قيمنا وهويتنا المتميزة ، وصولا إلى تحقيق التنمية الشاملة وفق خصوصياتنا الوطنية ، في بعديها المحلي والجهوي ، والدولي ، وهذا بالضبط هو ما يشكل روح المهمة الجديدة للمدرسة .

إن الوصول إلى تحقيق التنمية المستدامة لأمة من الأمم ليست عملية يسيرة التحقق سهلة المنال ، إنها عملية تتطلب مجهودا جبارا متواصلا ، وإرادة للتغيير نحو الأحسن كروح جماعية تتوجه إليها جميع قوى الأمة بعزيمة وبصيرة لكسبها كرهان ، ولا يمكن بحال كسب هذا الرهان والمحافظة عليه على المدى البعيد ، وجني ثماره على أبعد مدى ممكن ، إلا من خلال منظومة قيم قوية رصينة وواضحة ، وليس هناك جهاز اجتماعي أقدر وأفضل وأنسب لغرس مثل هذه القيم السامية النبيلة لدى الناشئة أفضل من المدرسة بجميع صيغها وأشكالها التربوية والتعليمية والتكوينية .

من هنا ، فالميثاق الوطني للتربية والتكوين قد نص على اعتبار القيم كمدخل أساسي في إصلاح منظومتنا التربوية ، إلى جانب مدخلي الكفايات والتربية على الاختيار ، وفي مجال القيم بالذات حدد لعملية الإصلاح الاختيارات والتوجهات التالية :

1) قيم العقيدة الإسلامية .
2) قيم الهوية الحضارية ، ومبادئها الأخلاقية والثقافية .
3) قيم المواطنة .
4) قيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية .

إلى جانب ذلك ، اعتبر الميثاق مداخل أو اختيارات أخرى في إصلاح منظومة التربية والتكوين من بين أهم المداخل والاختيارات المتداولة والمعروفة على المستوى العالمي ، ونقصد بذلك المداخل التالية :
للمزيد من المعلومات حول هذه المداخل ، يرجى الرجوع إلى كتاب الدكتور محمد الدريج تطوير مناهج التعليم ، معايير علمية ..متطلبات الواقع ..أم ضغوط خارجية .سلسلة المعرفة للجميع . منشورات رمسيس. العدد 32 . سبتمبر 2005. 1) المنهاج المندمج : والذي يسمح بحيز ضمن المنهاج الدراسي لخصوصيات المناطق والجهات ، شريطة تكاملها مع المنهاج الوطني ، وبنسبة حددت في الميثاق .
2) مدخل تكنولوجيا التواصل والإعلام .
3) مدخل الجودة الشاملة : بحيث تشمل جودة التربية والتعليم إلى جانب البرامج < القيادة ، والمعلم ، والأنشطة اللاصفية ، والمباني ..> د.محمد الدريج . تطوير مناهج التعليم ، معايير علمية ..متطلبات الواقع ..أم ضغوط خارجية .سلسلة المعرفة للجميع . منشورات رمسيس. العدد 32 . سبتمبر 2005 .ص:80.
4) المدخل المستقبلي : وذلك < نظرا لانتشار أساليب الدراسة المستقبلية ، واستخدامها في معظم مجالات الحياة بما يناسب خصائص القرن الواحد والعشرين ومتطلبات العولمة ، فقد بدأت كثير من الدول المتقدمة في إدخال برامج خاصة في مدارسها الثانوية ، اعتمد أنواع التفكير المستقبلي ومناهجه ، ليستخدمها المتعلم في مستقبل حياته ، والتي تتلخص في تكامل المناهج ، وربط الجودة في التعليم بالجودة في الأعمال ، وتبني مفهوم المنهاج المبني على المخرجات في تحقيق جودة التعليم ، والاهتمام بالابتكارية والتفكير النقدي ، والتوقع بدل التكيف مع الواقع الحالي ، والتعلم الذاتي والمستمر ، والتعلم المتجدد الذي يناسب المستقبل المتغير وطفرة التكنولوجيا والمعلوميات ..> المرجع نفسه ص 80 .
وهذه المداخل لا ينبغي النظر إليها على أنها مداخل مستقلة عن بعضها لا رابط بينها ، بل الموضوعية تقتضي النظر إليها على أنها تتكامل فيما بينها تكاملا يدب أن يفضي إلى تحقيق حاجات الأمة الظرفية والمستقبلية من خلال منظومة التربية والتكوين ، وصولا إلى تحقيق الجودة المؤدية إلى تحقيق تنمية مستدامة لأفراد الأمة ، كي يساهموا بحظ وافر في تحقيق التنمية الشاملة ، ولا تنمية في غياب منظومة قيم نبيلة ، تشكل مرجعا مشتركا بين جميع رواد المدرسة من المتعلمين .
فما هي حقيقة القيم ؟ وما هي أبعادها الفلسفية والعقدية والسيكولوجية ؟ وهل هناك فرق بين القيم والعادات ؟ وكيف يمكن للقيم أن تكون أساسا فاعلا في الرفع من القيمة المضافة لمجتمعنا المغربي الأصيل الذي بدأ يعرف غزوا حثيثا لسلوكات لا مدنية ؟ بل كيف يمكن للقيم أن تسهم في تحقيق التنمية المستدامة ، وتوفير المناخ المناسب لتحقيق المشترك الإنساني بفعالية ، من خلال نهوض أبناء الأمة بمهمة الإحسان ـ بمفهومه الإسلامي الأصيل المحقق للجودة وزيادة ـ في كل المجالات ؟ كل ذلك باستحضار التغير السريع للقيم ، الذي أصبح يرخي يثقله على الساحة العالمية تحت تأثير العولمة والتطور السريع لتكنولوجيا التواصل والإعلام .

في حقيقة القيم ؟

يعتبر البحث في مجال القيم بأنواعها من البحوث التي تكتسي أهمية وحساسية شديدتين في العصر الحديث ، نظرا لوعي الأمم بأهميتها في بناء المواقف والتمثلات المؤثرة في الأشخاص والجماعات ، باعتبار القيم موجهات للسلوك والتصرف الإنساني ، ولذلك جعل منها الميثاق الوطني للتربية والتكوين اختيارا أساسيا ، ومدخلا محوريا في مراجعة وإصلاح منظومة التربية والتكوين ببلادنا كما أشرنا ، إلا أن الملاحظ على الساحة ، إن على مستوى الأدبيات التربوية تنظيرا ، أو على مستوى الممارسة الميدانية الصفية عمليا ، هو غياب مفهوم دقيق وموحد وسلم محدد لمنظومة القيم المراد تأصيلها ـ أو تمريرها إن صح التعبير ـ للناشئة ، مفهوم يبين حقيقة القيم ، والفرق أو العلاقة بينها وبين المثل والمبادئ العليا ، ومن شأن تحديد هذه الأمور أن يوحد الرؤى ويوجه الجهود المبلغة إلى تكريس القيم التربوية الأصيلة للشعب المغربي ، ومن شأن النقاش حول هذا الموضوع أن يفضي إلى طرح تصورات مجدية ، وانبثاق نماذج عملية قابلة للتطبيق ميدانيا ، في علاقة هذا التطبيق بالكفايات الأساسية الخمس المعروفة ، والتي تعمل عليها كافة مكونات المنهاج الدراسي ، ومهاراتها المطلوبة ، فضلا عن تقييم تلك الكفايات وتقويمها ، وهذا هو الإشكال الذي ينبغي تحليله ، عن طريق طرح مواضيع للنقاش من قبيل : العلاقة بين القيم والتقويم ، أو دراسات تحليلية لجرودات لمختلف القيم من خلال البرامج والكتب المدرسية ، أو حصر للكفايات النوعية لمختلف المواد الدراسية في علاقتها بالقيم ، أو تحديد دقيق لمختلف القدرات المحتمل الاشتغال عليها في علاقتها بالقيم المناسبة لها ، أو البحث في سبل ووسائل إقناع المتعلم بأهمية القيم وحيويتها على مستوى الفرد والجماعة ، وما إلى ذلك من المجالات التي تمس صلب الأداء الحادق ، وتؤدي إلى جودة المنتوج التربوي الوطني على المدى القريب والمتوسط . هكذا وفي ضوء المرجعيات الرسمية والأدبية على الساحة ، وفي نطاق إثراء الحوار البناء الضروري حول المستجدات التربوية ، يندرج هذا العرض التحليلي الوصفي ، في محاولة لمقاربة موضوع الكفايات في علاقتها بالقيم ، من زوايا نظر سيكولوجية تربوية ، عله يسهم ولو بقسط ضئيل في إزالة بعض الغبش الموجود والمحتمل حول الموضوع .

بمعنى أننا لن نتصدى في هذا المبحث إلى محاولة تحديد تعريف معين من بين التعاريف الكثيرة لمفهوم القيم أو القيمة ، بقدر ما سوف نحاول إبراز هذا المفهوم من خلال تجلياته التطبيقية العملية ونتائجه ، في إطار تصريف القيم في الحياة العملية العامة ، وثمراتها المرجوة والمنتظرة ، لكن بتوسع أكثر وفق المرجعية الإسلامية ، باستحضار طبيعة هذه المرجعية الشمولية ، التي تتعدى الحياة الدنيا إلى ما بعدها بالنسبة للإنسان ، الذي هو المستهدف الرئيس بهذه القيم ، وبعملية التعليم والتعلم في الأول والآخر عبر الأزمان .

البعد الفلسفي العقدي للقيم .
مدخل :
تسير الدراسات العلمية لمفهوم القيمة وفق منظورين متكاملين في حقيقة الأمر ؛ أولهما ،< المنظور الفلسفي التجريدي الذي يجعل نصب عينيه الخصائص البنائية للقيم، أي معناها العام وخصائصها التجريدية >.
وثانيهما هو < المنظور الإجرائي ، ويهدف إلى تحديد الخصائص الوظيفية للقيم ، أي وظائفها وكيفية قياسها > د.ضياء زاهر. القيم في العملية التربوية .ص: 11- 12
ويبقى الخصاص دائما في طرح نماذج لكيفية إدماج القيم في العملية التعليمية ديداكتيكيا ، أي كيفية تصريف القيم داخل حجرات الدرس ، لتنعكس آثارها في الحياة العملية العامة للمتعلمين . وكلا المنظورين سليم من الناحية النظرية على الأقل ، اللهم من ملاحظتنا غياب رابط محفز على التمسك بالقيم السامية فيهما ، والذي من شأنه أن يكون باعثا للمرء على يتحرى هذه القيم الإيجابية ، ويتجنب القيم السلبية بمعناها القدحي ، هذا الرابط الغائب في اعتقادنا هو رابط العقيدة المقرونة بالإخلاص لله تعالى ، ورجاء ووجه الكريم في كل التصرفات التي تسير في اتجاه الاستجابة له ، من خلال تحري القيم المأمور بها شرعا ، فيما عبر عنه القرآن الكريم بالإحسان ، ووصف المتصفين به بالمحسنين ، منظورا إلى مصطلح الإحسان في علاقته بتصرفات الإنسان مطلقا ، والتي لا يمكن أن تخرج عن كونها إحسانا أو إساءة في ميزان الإسلام ، الذي يجعل من كل عمل لا يراعى فيه الخالق عز وجل كرقيب عملا مردودا .
وهذا المنظور الأخير هو الذي سنعتمد عليه في بحثنا هذا حول حقيقة القيم باعتبار قربه أكثر من المجال العملي التربوي والتوجيهي ، وبحكم أن للقيم امتدادا يتناول كل نشاطات وتصرفات الإنسان بشكل عام ، والإنسان في وضعية التعلم بشكل خاص ، وبحكم الأبعاد النفسية التي تتميز بها القيم في بعدها الشمولي .
ينبغي إذن أن نبدأ في تحديد مفهوم القيمة أو القيم ، بتحديد مفهوم الخير والشر ، والصواب والخطأ ، إذ عليهما تدور رحى تقييم القيم المختلفة ، حيث أن تحري الخير والصواب كمعايير في السلوكات والتصرفات ، هو المقصد والغاية من وراء الرغبة في بث القيم النبيلة بين الناس وفي الناشئة على الخصوص عن طريق التربية والمدرسة ، كما أن الأمر والنهي في مصادر التشريع الإسلامي يدوران معهما ، وذلك بغرض خلق أكبر فرص توحيد الرؤى والمعايير بين البشر في كل أنحاء المعمور ، أي تحقيق المشترك الإنساني بشكل عام .
فمتى انتقلت القيم من المجال الفلسفي إلى مجال العقيدة ، إلا وكانت نتائجها وثمراتها ظاهرة على أرض الواقع بشكل جلي ، ومتى بقيت حبيسة النطاق الفلسفي النظري فحسب على أهميته ، جاءت نتائجها باهتة ، بل عديمة الجدوى في الغالب الأعم .
و الملاحظ بهذا الخصوص أن الأساس الفلسفي يبقى مع ذلك ضروري لبلورة الفهم والحس مشترك بين الناس ـ حسب المجتمعات ـ في مجال القيم على الخصوص ، وهو ضروري وخطوة أساسية لتحقيق الإيمان والاقتناع بأهميتها ، في سبيل حصول الاقتناع الضروري بقيمتها وأهميتها في حياة الأفراد والجماعات ، وبدون هذا الأساس الفلسفي المقرون بالإيمان ، وبأهمية القيم ودورها الإيجابي في تنظيم حياة الناس بشكل عام ، لا يمكن لتلك القيم أن تفعل فعلها في الأفراد والجماعات ، ولا يمكنها أن تفعل فعلها في المجتمعات إلا إذا ارتقت إلى مرتبة العقيدة والإيمان بها إيمانا يستحضر رقابة الله تعالى ، مقرونا بمبدأي التقوى والإحسان .
تتحمل المدرسة إذن دورا خطيرا في ترسيخ القيم والسلوكات المدنية المرغوب فيها اجتماعيا بشكل عام كما أشرنا ، ولكن ، هل هناك بعد سيكلوجي للقيم ، والذي متى تم إدراكه واستيعاب أبعاده وسبل مقاربته من قبل المدرسين والمسؤولين التربويين ، تيسرت وتوضحت أمامهم سبل ترسيخها في نفوس الناشئة ، لتؤتي تلك القيم ثمراتها المرجوة ؟ بل كيف السبيل إلى إقناع الناشئة بأهمية القيم في الحياة عموما ؟ وما هي الأسس البيداغوجية التي نبني عليها ممارساتنا التربوية للوصول إلى تحقيق هذه الغايات ؟ .
البعد السيكولوجي للقيم

إذا كانت إحدى أهم غايات النظريات التربوية المعاصرة لدى الغرب تتحدد في إحداث حد معقول من التجانس في الرغبات بين الأفراد داخل مجتمع معين على المدى المنظور ، على أساس قوامه المصلحة الذاتية أو القومية ، وقد أصبحنا اليوم نسمع بمصطلحات المجتمع الدولي ، والأمن القومي وغيرهما من المصطلحات في سياق العولمة ، فإن النظرية التربوية الإسلامية التي تستمد مقوماتها من أصلي التشريع الإسلامي الساميين ، القرآن والسنة ، تتجاوز غاية إحداث التجانس بين رغبات الأفراد داخل مكونات الأمة باستهداف المشترك الإنساني ـ وهو أحد أهم مستهدفاتها ـ إلى إحداث التوازن بين رغبات الإنسان والكون من حوله بكل مكوناته في علاقته بخالقه ، بشكل يساعد على تحقيق مراد الله تعالى في الوجود ، امتثالا لأمره وطمعا في ثوابه الدنيوي والأخروي ، على أساس قوامه العمل الصالح المؤسس على منظومة من القيم التربوية السامية النبيلة ، الملائمة للفطرة والأخلاق الفاضلة في عرف الناس على اختلاف الثقافات التي يكرعون من معينها في كل زمان ومكان ، لما لها من نتائج حميدة مستدامة على الأفراد والجماعات ، إلا أن الفارق بين الناس فيما بخص القيم النبيلة ، يكمن في ثمرة ونتيجة التمسك بها كلا حسب نيته ، فمنهم من يقتصر فيها على ثوابها العاجل الدنيوي فيصله بلا ريب ويستفيد منه ، ومنهم من يرجو بذلك وجه الله واليوم الآخر ، فينال نصيبه منه في الدنيا كسابقه لا يلته الحق سبحانه وتعالى منه شيء ، لكنه يتميز عنه بجني ثماره في الآخرة أيضا ، متى توفرت فيه شروط الإيمان والتقوى والإحسان ، قال تعالى ( ومن كان يريد حرث الدنيا نوته منها وما له في الآخرة من نصيب ) الشورى 20.
إن هدف القيم السامية الحضارية من الناحية السيكولوجية يتجلى في إحداث هيأة راسخة في النفس ، تدفعها إلى العمل بمقتضى روح تلك القيم في الحياة الخاصة والعامة ، لمن يتحقق له الاقتناع والإيمان الراسخ بها وبدورها الحيوي ، حيث تصير هي المحرك والموجه له نحو توخي الخير مطلقا في جميع التصرفات والسلوكات اتجاه نفسه ، واتجاه خالقه ، واتجاه محيطه الاجتماعي والطبيعي ، في إطار حياته العملية العامة يوميا ، فيستشعر لذة في ما يلمسه من نتائج ذلك السلوك ، وما يتلقاه من مدح وتحفيز عليه من وسطه ومحيطه ، والعكس بالنسبة للقيم السلبية التي تثمر عكس ذلك .
ولا غرابة فيما إذا وجدنا الإسلام يقيم رباطا وثيقا بين العقيدة أو الإيمان ، وبين العبادة والأخلاق كسلوك وعمل ، حيث لا قيمة للعقيدة ما لم تعبر عن نفسها في العبادة الخاشعة الصادقة ـ بمفهومها الشامل ـ وما لم تؤد إلى ممارسة الفضائل الأخلاقية بطواعية وتلقائية ، لأن الإيمان بمفهومه الديني ، هو الأساس الباعث على توخي مكارم الأخلاق وحسن التصرف ، وقد أثبتت الدراسات حول القيم بشكل عام ، والقيم الإيمانية باعتبار نتائجها ، أنها تبقى لاغية في ظل انعدام عنصر الإيمان الثابت بالله تعالى ، وبقيمتها في العاجل والآجل ، فاقدة للمحرك الفعال الذي يضمن استمرارية الأخذ بها كمسؤولية ، والمحافظة عليها ، والدعوة إلى الأخذ بها ما لم تستند إلى عنصر الإيمان بالخالق الذي يصبح واعظا ذاتيا مقيما بين جوانح المؤمن باستمرار .
من هذا المنطلق يمكن الاطمئنان إلى سبب ربط الإيمان في القرآن الكريم بالعمل الصالح في أكثر من آية ، وتلازمهما ، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان الكامل هو إنسان أخلاق ، بل هو الأخلاق قبل كل شيء ، فالشرف والفضيلة والكرامة ، والشهامة والشجاعة والتضحية ، والنزاهة والصدق ، والاستقامة في المعاملة ، والاعتماد على النفس ، وتحمل المسؤولية ، والتواضع ، والوقوف إلى جانب الحق ، والصبر عند الشدائد ، هي بعض الأخلاق التي يجب أن نغرسها في نفوس أبنائنا وناشئتنا عن طريق التربية ، و كذلك بالأخلاق العلمية كالتدقيق والضبط في القول والعمل ، وبالأخلاق الاجتماعية كحب النظام والتعاون والثقة المتبادلة ، ورعاية عواطف الآخرين واحترامهم ، والإحساس بمشاعرهم وتقديرها ، وحب خدمة المجموع ، والمحافظة على المواعيد ... فكل هذه القيم هي أخلاق سامية تواضع الناس على أهميتها وقيمتها في استقامة حياة الأفراد والجماعات ، وواضح أنها تندرج بإجماع كل الناس في مختلف العصور والأزمان ضمن العمل الصالح ، وهذه القيم بسموها هذا ، هي نفسها وأمثالها التي رغب فيها الشارع الحكيم ، وجاءت رسالات السماء لتكريسها بين الناس .
إلا أن الفرق بين الناس في الأخذ بها ، ونيل ثمرات ذلك كامن في البعد الإيماني الذي يتجاوز بها الإنسان ثمراتها المعجلة في الحياة الدنيا ، إلى نيل ثمراتها فيما بعد هذه الحياة ، وهذا البعد الإيماني ذو خاصية مصرح بها شرعا ، بمعنى أنها وإن كانت تمس حياة الإنسان بالفعل بشكل ملموس ، فهي لا يمكن أن تشمل مرحلة ما بعد الحياة الدنيا ، إلا إذا كانت مقرونة بالإيمان والإخلاص لله تعالى ، وكان الإيمان ومراقبة الله وابتغاء رضوانه هي الدافع والمحرك الحقيقي الذي تتكئ وترتكز عليه كل تصرفات الإنسان فيما ياتيه وما يدعه منها .
إن القيم المشتركة بين الناس ، هي أساس أو معيار تصنيف هذا العمل أو ذاك ضمن العمل الصالح أو الطالح ، ومعلوم أن صلاح عمل من الأعمال أو فساده ، إنما يتم على أساس القيمة المضافة التي يخلفها إن على مستوى حياة الفرد كفرد ، أو على مستوى حياة الجماعة ككل ، وهنا تأتي أهمية القيم كمعايير للعمل بشكل عام ، سلوكا كان أو اعتقادا .
بين القيم والعادات

هناك فرق دقيق بين القيم والعادات لا بد من أخذه بعين الاعتبار ، وذلك باعتبار أن بعض القيم المنحطة قد تصير في بعض المجتمعات عادات متعارف عليها ، كما أن بعض العادات قد تتم ترقيتها في مجتمعات أخرى حتى تصير في حكم القيم المتواضع عليها بين الناس .
ذلك أن القيم بمختلف أنواعها تختلف عن العادات بعنصر رئيسي متميز ، فإذا كانا معا يتفقان في كون كل منهما عبارة عن دوافع وطاقات للسلوك ، تتأثر بالسياق الثقافي للمجتمع عموما ، حيث تشير العادة أو العادات في بعدها السيكولوجي إلى سلوك بسيط جالب للذة لمن يأتيه أو يقوم به في مواقف محددة ومتواضع عليها بين الناس ، وبذلك قد تكون العادات مجرد حيز أو جزء من القيم ضئيل ، بينما تحيل القيم على بعد أكثر تعقيدا وتجريدا وعمومية ، إنها تحيل على أحكام معيارية للتمييز بين الصواب والخطأ ، والخير والشر ..، وذلك فيما يمت إلى الإنسان وتفاعله ونشاطه في كل أموره ، سواء في علاقته مع خالقه ، أو مع نفسه ، أو مع محيطه الاجتماعي والطبيعي .
إن القيم تعبير عن أحكام أخلاقية ، أوامر أو نواهي ، منظورا إليها بحسب عواقبها ونتائجها النهائية ، في إطار تداعيات العلاقات الاجتماعية والروحية لتصرفات الإنسان ، والتي لا تخرج في محصلتها النهائية عن كونها إما خطأ أو صوابا ، خيرا أو شرا ، حقا أو باطلا ...وهي ثنائية ملاحظة في سائر المخلوقات والموجودات حسا ومعنى .
فمن خلال النظر في القرآن الكريم مثلا ، يمكن التمييز بيسر وسهولة على مستوى الإنسان نفسه بالنظر إلى طبائعه ، بين صنفين متضادين من الناس ، يسايران ويقابلان حكمة الله تعالى في خلقه ، من خلال ربط الحق سبحانه استحقاق الجنة بعمل ، واستحقاق النار بعمل . وفي الوقت نفسه ، ودائما بالنظر في أي الذكر الحكيم ، يمكن أن نقف بجلاء بالنسبة للإنسان نفسه أيضا على صنفين من الناس ، من خلال آيات عديدة تبرز طبائع هذا الإنسان الرذيلة الوضيعة التي رده الله تعالى إليها بعد أن خلقه في أحسن تقويم وأمره بتزكية نفسه ، في مقابل آيات أخرى امتدح الله تعالى فيها طبائع أخرى لهذا الإنسان نفسه ممثلة في أوصاف وخصال كريمة ، وسجايا حميدة باهى بها سبحانه ملائكته في مواقف شتى ، والتي لا يمكن الوصول إليها إلا بالتزكية ، لا باتباع الأهواء والعادات والشهوات .
ولسنا في حاجة هنا إلى إعادة النقاش حول السؤال الفلسفي الذي يبحث في مسألة هل الإنسان مفطور على الخير ، أم هو شر مطلقا ، باعتبار النتيجة المتوصل إليها ، التي تشير إلى قابلية الإنسان لكل منهما إلى جانب قابليته للتوجيه وتقبل الإرشاد ، وإليه شخصيا وبصفة مستقلة يعود القرار والاختيار الأخير؛ إننا نطمح أن يتعمق النقاش حول سبل تجاوز ذلك إلى التساؤل والبحث حول الكيفيات العملية ، والسبل البيداغوجية التربوية المساعدة والمبلغة لهذا الإنسان إلى ما يصلح إنسانيته وكرامته المهدورة بفعل طغيان القيم المادية ، ويعيد لمنظومة القيم السامية تميزها ومكانتها المفقودة في زحام سوق القيم بنوعيها الصالح والطالح ، الرائجة بامتياز في بداية الألفية الثالثة ؟ .
فما الرابط الذي يجمع بين القيم بكل أبعادها ، والإنسان بكل مكونات شخصيته ؟ نبادر بالقول بأن العلاقة وطيدة بينهما ، إذ الجميع يعلم بأن الخير والصواب أنجى للإنسان في الحياة وما بعدها ، والشر والخطأ ، أو مجانبة الصواب وبال على صاحبه في عاجله وآجله ، فضلا على انعكاساته السلبية على محيطه ، باعتبار كلا الاختيارين سلوكا وتصرفا ، وإنما كانت القيم بمفهومها الشامل ، وأنواعها المختلفة نبراسا ومعيارا لتلك السلوكات والتصرفات ، ويتوقف احترامها بشكل كبير على وجود وازع داخلي ، واستعداد نفسي للاقتناع و الاختيار ، فلا اختيار بدون خلفية ، ولا وازع أقوى من الوازع العقدى الديني يمكنه القيام بهذه المهمة الصعبة الحساسة ، إنه الإيمان بكل شعبه ، فهو الوازع الموجه للسلوك نحو الخير والصواب أو التي هي أحسن ، وهو المدخل تحت لواء الناجين في الدنيا والآخرة ، لواء الحاملين للقيم النبيلة السامية ، بغض النظر عن مرجعيتها ، ولمثل هذا فليعمل العاملون ، توجيها وتعزيزا للجهود المباركة .

النظم التربوية بين القيم و الفطرة .

إذا كانت مهمة التربية في المنظور التقليدي تتمثل في نقل ما توارثه الآباء والمجتمع من معارف وخبرات وتجارب إلى الناشئة ، وهي مهمة لازالت تحتفظ بقيمتها وبريقها إلى اليوم ، فإن تطورات معطيات الواقع وطبيعة المستجدات المتسارعة ، ونتائج التدافع بين مقتضيات الفطرة وغايات القيم السامية النبيلة من جهة ، ومغريات المادة والقيم المادية من جهة أخرى ، قد دفعت إلى تبني نظرة جديدة إلى مهمة التربية ، نظرة تقوم على أساس إعادة الاعتبار للفطرة في التربية والتعليم ، بالتركيز على ما يلائم فطرة الإنسان ونموه عقليا ، وخلقيا ، ووجدانيا وروحيا ، وعدم الاقتصار على مهمة نقل الموروث الثقافي والتراثي إلى الناشئة نقلا أوتوماتيكيا فحسب .
فإذا كانت النظم التربوية التي تعتمدها الثقافات بشكل عام تختلف باختلاف تلك الثقافات ، باعتبار اختلاف المرجعيات الفلسفية لكل منها ، وعلى أساس فلسفتها ونظرتها للحياة ، فإن ذلك لا يمكن أن يلغي بأي شكل من الأشكال وحدة الفطرة الثابتة لدى الناس جميعا ، كما لا يمكن بحال إلغاء مكانة القيم السامية التي تتلاءم مع الفطرة الإنسانية من الاعتبار ، في مختلف المنظومات التربوية على الإطلاق ؛ فالفطرة واحدة لدى كل الناس .
والقيم السامية والإنسانية واحدة عند كل الناس .
ولكن النظم التربوية مختلفة بين الناس .
وبديهي أنه لا بد لهذه النظم ـ حتى لا توصف بالعقم والتخلف والرجعية ـ من الجمع بين استهداف كمال تلك الفطرة والسمو بها كمهمة أساسية أولى ، ونقل التراث وما توارثه الآباء وتواضع عليه المجتمع من قيم كثاني مهام التربية الأساسية ، تلك النظم التي عليها أن تعتمد في تحقيق ذلك بالدرجة الأولى على تركيزها على ما خلق في الإنسان من قدرات ، ترشحه لحب الحق وابتغائه ، ومناهضة الباطل والظلم واجتنابه .
نخلص مما سبق إلى أن العلاقة وثيقة بين الفطرة والقيم ، والعادات والثقافة بشكل عام ، رغم ما يمكن أن يلاحظ بينها من تباين ظاهري أحيانا ، علاقة لا تقبل الانفصام أو التبعيض ، إذ لابد للقيم من جذور ومرجعيات تستمد منها مقوماتها ومبررات وجودها ، كما لابد للثقافة من جذور ممتدة في العراقة عبر السنين تستمد منها هي الأخرى مبررات وجودها لاستنادها إلى حمولة من القيم ، وكل من القيم والثقافة أساسيين لخلق فرص أكبر لتوحيد الاستعدادات والاتجاهات والأذواق المتشابهة داخل أي مجتمع ، توحيدا يسمح بظهور الرضا العام ويعززه ، ويصهر المجتمع في بوتقة واحدة قوامها حسن التصرف مطلقا كقيمة عليا ولا يعلى عليها ، إلا أنها قد تتأثر بمتطلبات التغيير والتطورات الطارئة على حياة الإنسان والمجتمعات ، مما يؤكد الطبيعة التطورية لمكونات الثقافة ، في مقابل خاصية الثبات التي تتصف بها القيم رغم تلك التطورات ، مما يفسر كيف أن لكل بيئة ثقافية قيمها الخاصة ، ونظامها التربوي الحامل أو الناقل لمكونات تلك الثقافة بكل حمولتها وخصوصياتها ، في حين تبقى القيم النبيلة واحدة في كل العصور والأزمان والأمكنة لا تتغير .
إلا أن السؤال الأساسي الذي يمكن أن يثار هنا هو : ما هي مكانة الفطرة أو القدرات الفطرية في بعدها السيكولوجي ضمن مختلف المنظومات التربوية المعاصرة على تباينها ؟ وما دور البيئة الثقافية في العناية بالقيم الفطرية ، أو الفطرة مطلقا ، وتوجيهها الوجهة التي ترضي المجتمعات والأفراد على حد سواء ، وتسهم في الاستقرار والمساهمة في النماء ؟ وبعبارة أخرى ، ما مدى قابلية الإنسان للتطبع بعقائد وقيم البيئة التربوية التي يعيش فيها ؟ .
الواقع أن كل نظام تربوي لا يستحضر أثناء بنائه وتطبيقه حقيقة جوهر الإنسان وطبائعه الفطرية التي تندرج تحتها كافة مكونات شخصيته ، هو نظام ناقص ، سرعان ما ينهار أمام أول صدمة ، أو انفجار أزمة خانقة ، وما أكثر الأزمات في العصر الحديث ، ونحن في زمن العولمة، زمن صراع القيم بين الأمم حيث < أصبح من المعترف به اليوم ، أن فشل نماذج التنمية التي نهجها العالم الثالث ، يعود بالأساس إلى التقليد الأعمى لنماذج التنمية الغربية المستوردة .
وكانت النتيجة ، استفحال الوضعية الاجتماعية ـ الاقتصادية ، وبروز ثقة تتنامى يوما بعد يوم لدى السكان ، في القيم الثقافية والروحية ، كنظام للدفاع ضد الهجوم الثقافي الأجنبي .> د . المهدي المنجرة . حوار التواصل .بتصرف طفيف. دار وليلي . ط 6 . ص: 30
فالثابت صدقا ، والمحسوس عقلا وواقعا ، أن الإنسان قابل ـ سيما في مراحل حياته الأولى ـ للتأثر والتطبع بثقافة البيئة التي يولد فيها ، وذلك فيما يرجع إلى تشكيل نظرته للحياة وما بعدها ، وتشكيل عقليته وشخصيته وما إلى ذلك ، بعد أن يكون قد ولد وهو مزود بقدرات فطرية ، لا تتخلف بين شخص وآخر، لكن تدخل البيئة الثقافية في تربية هذا الإنسان يكون لها دورها الحاسم في تأيد وتقوية وتطوير تلك القدرات الفطرية الإيجابية وصولا بها إلى حالات كمالها ، أو العكس من خلال التركيز على القدرات السلبية أو الغرائز البهيمية على حد تعبير فلاسفة الإسلام ؛ وصولا بهذا الإنسان إلى حيث لا فرق بينه وبين غيره من الحيوانات .
وقد كَانَ أَبَو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ .) ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) الْآيَةَ * صحيح البخاري . كتاب الجنائز . حديث رقم : 1270
مما يؤكد الدور التربوي للأسرة من جهة ، ويزكي الطرح الذي يذهب إلى أن أهم أدوار المدرسة ـ بالتبعية ـ هو نقل الموروث العقدي والثقافي إلى الناشئة .
إن أطفال اليوم هم رجال الغد ، ولهم طموحاتهم وأهدافهم وأمانيهم ، ولابد من تمكينهم من سلاح القيم السامية لتحصينهم من مختلف التيارات العاتية التي تجتاح عالم اليوم والغد ، حتى يصبحوا قادرين على تسيير دفة مصيرهم ومصير أمتهم بكل استقلالية ترتكز على أسس متينة ، وبالتالي تحقيق طموحاتهم المشروعة بشكل لا يتعارض مع قيم أمتهم .
أثر القيم التربوية الدينية
في تحصين الناشئة

حيث أن المنهاج الدراسي بكل مكوناته هو أهم عنصر من عناصر إي إصلاح تعليمي تربوي ، وأخطر مكون من مكونات أي منظومة تربوية تكوينية ، باعتباره الأداة والوسيلة المؤدية إلى تحقيق الغايات القصوى من التربية والتعليم ، عبر مواد دراسية متعددة المرجعيات ، والحمولات الفكرية والعقدية والنفسية التي لا يمكن بحال الانسلاخ عنها بيسر وسهولة ، أو تجاوزها ـ سيما وجلها منقول ومستورد عن نظم خارجية في جل البلاد العربية ـ ، فإنه لابد لهذا المنهاج من أسس ودعامات متينة يقوم عليها .
وإن أهم أسس وركائز تحقيق غاية تكوين المواطن بل الإنسان الصالح لنفسه ومحيطه بكل مكوناته ، إنسان يؤمن بما يعتقد ، ويؤمن بما يقول ويفعل ، يمكن أن تتحدد انطلاقا من القيم الإيمانية ، وهي ثلاثة أسس :
1 / أساس الإيمان بالله(التوحيد):
وهو رأس الأمر كله بالنسبة لكل إنسان ، ما دام التدين ضرورة بشرية لا يتخلف عنها إنسان ، وبدونه يكون هذا الإنسان في مهب الأهواء والتيارات ، لاهثا وراء نزواته ، ومستعدا للانسياق وراء ملذاته ومصالحه الشخصية الآنية بلا رقيب ، ومن شأن تركيز الإيمان بالله وحده على الوجه الصحيح في قلوب الناشئة ، وابتغاء وجهه في كل أمورها ، أن يحررها من كل أنواع الاستعباد لغير الله تعالى ، وما أكثر مريدي استعباد الإنسان في العصر الحديث وما يليه ، ويكون حافزا لها على المكرمات .
لذا كان ترسيخ الإيمان بالله وحده ، والاستسلام له أساسا تربويا عظيما ، من شأنه تحرير الإنسان من عبودية الإنسان والشهوة والشيطان ، ومتى عرف المتعلم ربه واعترف له بالفضل ، إلا كان ذلك بالنسبة له دافعا قويا نحو التماس الخير والعمل به تقربا إليه تعالى ، وإلى الإحسان والإتقان في كل ما يأتيه من أفعال وتصرفات ، وما يتركه منها ، ولخير مثال عملي على ذلك نستشقه من السيرة العطرة ، حيث مكث النبي الكريم زهاء ثلاث عشرة سنة بمكة المكرمة لتحقيق هذا الأساس العظيم .
ومن المهام الكبرى للمدرسة أن تعمل على إفهام المتعلم أن كل فعل أو ترك في الإسلام له مقابل من الحسنات حسب أهميته يدخره لآخرته إذ الدنيا ما هي إلا مزرعة للآخرة ، و أن الإيمان يزيد بالطاعات ، وينقص بالمعاصي كما علمنا رسولنا الكريم .
2 / أساس الإيمان باليوم الآخر :
وهو يوم الدين ، إذ لا شك أن سعي الإنسان في هذه الحياة متعدد ، لكنه لا يخرج عن صنفين رئيسيين متناقضين ، بين سبحانه وتعالى شروط كل منهما وثوابه بصريح العبارة عقب قوله وقوله الحق في سورة الليل (إن سعيكم لشتى) ، والإنسان في هذه الحياة لا يخرج و لا يشذ عن أحد اتجاهين رئيسيين مؤسسين على أساس ضروري ، وهو التصديق بالحسنى أو اليوم الآخر كأساس إيماني له فعله النفسي الإيجابي على تصرفات وسلوكات الإنسان مطلقا ، وهذين الصنفين هما :
 العطاء المادي والمعنوي المقرون بالتقوى بمفهومها الواسع المراعي لرقابة الله تعالى .
 أو البخل المادي والمعنوي مع الشعور بالاستغناء عن الخالق وعن الغير .
فمن شأن غرس وترسيخ الإيمان باليوم الآخر في الناشئة أن يشعرهم فضلا عن استشعار الرقيب الذي يعلم السر وأخفى ، بأن المرء محاسب على كل ما يأتيه من اعتقاد أو قول أو عمل لا محالة ، وأن سعيه سوف يرى ، وأنه بالتالي سيجازى عليه ، إن خيرا وإحسانا فخير وإحسان أكبر ، وإن شرا وإساءة فمن جنسه يكون الجزاء ، فيكون من شأن ذلك أن يحفزه على توخي الإحسان في كل شيء يأتيه من شؤونه الخاصة والعامة ذات الارتباط بمحيطه الطبيعي والاجتماعي .
3 / أساس الإيمان بالقضاء والقدر :
أما الأساس الثالث الذي لا بد لكل منهاج تعليمي يريد لنفسه الموضوعية وتحقيق غاياته المرسومة بنسب عالية ، فهو الأساس العقدي المؤسس على الإيمان بقضاء الله وقدره مع الأخذ بالأسباب ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو القدوة في كل شيء ، حتى في المجال التربوي التعليمي ـ يعلم سيدنا بن عباس وهو لا يزال حدثا صغيرا هذا المبدأ العظيم ، ويلقنه إياه بحكمة خبير ، في الحديث الذي رواه بنفسه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام الترمذي :
< عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ : احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ؛ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ )> سنن الترمذي . دار الفكر . 1983. كتاب صفة القيامة والرقائق والورع .
4 / العيش بغاية أو لغاية :
وذلك بتعليم المتعلم بالأهمية القصوى التي تكتسيها هذه الخطوة الأساسية في حياة الإنسان المسلم ، والتي بها يتميز عن الحيوان ، أن يعيش لغاية معلومة ، بل حتى الحيوان لا يعيش بلا غاية أو مهمة ، إذ له مهمة حددها له الخالق عز وجل ، بأن جعله مسخرا لصالح الإنسان ، ولعل أهم وأسمى غاية يعيش عليها الإنسان هي معرفة الله تعالى وعبادته، بالمفهوم الشامل للعبادة والتدين ، الذي يشمل من بين ما يشمله ، معاملة الناس معاملة حسنة ، حيث نجد نبي الرحمة يحث على ذلك في أحاديث كثيرة ، ويؤكد على ذلك في مواقف متعددة ، حتى أنه جعل إماطة الأذى عن طريق الناس صدقة وعملا صالحا ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : < الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله > محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي. الجامع الصحيح . سنن الترمذي. دار إحياء التراث العربي – بيروت.دت . تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون.ج5 .ص: 10 حديث رقم: 2614 على قرص مدمج بعنوان: برنامج المكتبة الشاملة .الإصدار الأول . .
إن جماع أمر التربية الإسلامية الصحيحة يقوم على هذه الأسس الأٍربعة وما يكملها ، وعلى مدى تحققها في الناشئة على مستوى الاعتقاد والاقتناع والسلوك ، وذلك لسبب بسيط معروف وهو أن العقيدة الصحيحة هي منبع ومصدر القيم الصحيحة ، وعقيدة الإسلام تقوم على هذه الأسس الأربعة ، إلى جانب الإيمان بالملائكة والكتب السماوية وسائر رسل الله الكرام ، حيث < تعتبر العقيدة ورقابة الله تعالى ، ومبدأ التقوى بوصلاة موجهة لأي فعل اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي ، فيقاس النفع والضرر بمدى الاستجابة لأمر الله لا بالمصالح الذاتية الفردية والظرفية> د.خالد الصمدي . خطاب التربية الإسلامية في عالم متغير . تغيير الفسفة وتحديث الممارسة . منشورات المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية الإسلامية .ط1.ماي 2006 .طبع. طوب بريس . الرباط. ص: .
إن الإشكال الكبير الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية اليوم بعد تحررها من ربقة الاستعمار وهي في بداية صحوتها بعد سبات طويل ، كامن في الفجوة الكبيرة التي لم تجسر إلى اليوم بالشكل المطلوب بين واقع الأمة وقيمها الأصيلة ، حيث أن الحديث عن القيم لما يتجاوز بعد مرحلة التقرير ووصف القيم الإسلامية النبيلة ومزاياها ونتائجها ، ولما يتم تجاوز ذلك إلى مرحلة تحليل واقع الأمة الراهن بكل تحدياته المحلية والإقليمية والدولية ، ولا زلنا في حاجة ماسة إلى وضع الخطط والبرامج العملية لتنزيل تلك القيم بحمولتها الدينية والفلسفية ، وأبعادها الفردية والاجتماعية ، المستمدة من الكتاب والسنة على واقع المسلمين أينما كانوا وعبر الأزمنة المقبلة من أجل تحقيق التنمية الشاملة ، وإذا كان رأس المال الحقيقي والفاعل في كل عملية تنوية هو العنصر البشري ، < فإن تأهيله وتكوينه يمر بالضرورة عبر صياغة مناهج للتكوين تستهدف عناصر مركزية ثلاثة هي : بناء المعرفة عوض تلقينها ، وتنمية المهارات ، وترسيخ القيم ، ومدخل ذلك بالأساس هونظام التربية والتكوين > المرجع نفسه . ص: 23 .
وهذا العمل بالضبط هو المأمول من ذوي التخصص ، وهو عمل ليس بالسهل على كل حال ، ولكنه ليس بعزيز المنال على ذوي النيات الحسنة .
وخلاصة القول بعد كل هذا ، أن للقيم مكانة مرموقة ضمن الميثاق الوطني للتربية والتكوين المغربي ، وأنها ـ وينبغي لها أن تكون كذلك ـ تشكل بعدا مركزيا في أية عملية تربوية تعليمية أو تكوينية ضمن جميع الأسلاك والمسالك التعليمية ، إذ لا قيمة مضافة يخلفها متعلم لا مرجعية قيمية نبيلة له ، مهما حصل من المعارف ، ومهما حقق من تقدم في أي اختصاص كان .
والله الموفق

وحرر بمكناس في 30 / غشت / 2006
عبد ربه : التوفيق التضمين .
مفتش ممتاز للتعليم الثانوي.
منسق مركزي لمادة التربية الإسلامية .

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا المقال لصديق أرسل هذا المقال لصديق

عفوا، التعليقات غير ممكنه لهذا المقال.

شبكة التربية الإسلامية الشاملة
المشرف العام الأستاذ أحمد مدهار
جميع الحقوق محفوظة للشبكة
2004/2003
لأفضل مشاهدة ننصح بأن تكون درجة وضوح الشاشة 1024× 768