في تقويم وتقييم الكفايات
التاريخ: 25-12-1429 هـ
تصنيف المواضيع: مقالات ذ توفيق التضمين




بسم الله الرحمن الرحيم
في تقويم وتقييم الكفايات
للأستاذ التوفيق التضمين
ينبغي لنا ونحن بصدد الحديث عن التقويم جملة ، وتقويم الكفايات التعليمية على وجه الخصوص أن لا يغيب عن ذهننا أمران أساسيين :
أولهما : أننا حين اشتغالنا بالكفايات ، فإننا نكون أمام مجال واسع قد يبدأ بالاستئناس ، كما أنه قد يصل إلى مرحلة التمهير الذي يعتمد بالأساس على التدريب المكثف ، في مجال من المجالات .
وثانيهما : أن أي تقويم في مجال الكفايات يبقى نسبيا حسب طبيعة وخصوصيات كل مادة دراسية ، سيما إذا ما طرحنا قضية الدقة في تقويم المجالات المرصودة ، أو المهارات العملية ، وكذا المجالات الوجدانية الانفعالية والجوانب التي يصعب رصدها ـ باعتراف علماء السيكولوجيا ـ فما بالك بالحديث عن تقويمها بالدقة المتناهية .
من هذا المنطلق تنبع ضرورة توحيد المفاهيم والمصطلحات ، وعلى رأسها تحديد وبيان الفرق اللغوي والاصطلاحي لمفهوم كل من مفردتي التقييم والتقويم ؛ أمام إصرار البعض على إقصاء مفهوم التقييم ، والاقتصار على لفظ التقويم ، وهما في حقيقتهما متكاملتين إلى حد التداخل ، إن على المستوى النظري أو العملي التطبيقي ، ولابد لأحدهما من الآخر في كل تقويم موضوعي ، تعديليا كان أو إشهاديا جزائيا .
فإذا كانت هناك إمكانية لمقاربة مفهوم التقييم ، فإنه : إمكانية إصدار حكم ، عن انجاز عمل معين ، خلال مدة زمنية معينة ، استنادا إلى الفارق بين ما كان ينتظر انجازه ، وبين ما تم انجازه فعليا ، من طرف المتعلمين .
وبعد الوصول إلى تقييم الأداء أو الإنجاز الذي ينبغي أن يكون مستمرا ، يأتي دور التقويم الذي يبقى ذا طابع تعديلي في الغالب الأعم وبشكل مستمر أيضا ، والذي قد يشمل إلى جانب الإنجاز المعبر على مدى تملك الكفاية المقصودة ، مختلف مجالات التدخل في الفعل التربوي التعلمي .
و هنا ينبغي لنا أن نتساءل ، إذا سلمنا بأن الكفايات تقيم من خلال الإنجاز، هذا الإنجاز الذي لا يمكن أن يظهر للعيان إلا عبر تفعيل مجموعة من القدرات والمهارات والمعارف على اختلاف أنواعهما بشكل مندمج ، وذلك من خلال ممارسة مجموعة من المهام المحددة بشكل مسبق والمؤدية إلى الإنجاز ؛ فكيف يكون بمقدورنا تقويم تلك الكفايات للرفع من قيمتها ومردوديتها ؟ وما دام التقويم كيفما كان نوعه ، تعديليا أو جزائيا ينصب بالأساس على الكفاية أو الكفايات لا القدرات ، أي التعلمات ، باعتبار القدرات ذات طبيعة باطنية غير قابلة للملاحظة والقياس ، فكيف يتأتى تقويم القدرات الذاتية للمتعلمين ومدى الإمكانيات المتاحة عمليا لتطويرها وصقلها حتى تواكب قطار التحولات السريع على كافة الأصعدة في عصرنا هذا ، ما لم تتح لها فرص الظهور للملاحظ على شكل إنجازات ؟ وإذا ما سلمنا بوجود كفايات أساسية مشتركة بين جميع المواد الدراسية (نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض على خمس كفايات أساسية لابد للنظام والمنهاج التعليمي في حلته الجديدة من تحقيقها ، وهي : الكفايات المنهجية ، والتواصلية ، والثقافية ، والتكنولوجية ، والاستراتيجية .)
بحيث تعمل كل منها على تحقيقها لدى المتعلمين بالتدرج عبر المستويات الدراسية والأسلاك التعليمية ، هل للتخصص دور في فرض كفايات محددة ( من الملاحظ ميدانيا أن هناك نوعا من الضبابية واللبس يحوط بمجال تصنيف الكفايات عموما ، ما بين الكفايات الأساسية ، والكفايات النوعية العامة لكل مادة دراسية ، فالكفايات النوعية العامة هي الكفايات المتعلقة بكل وحدة دراسية داخل كل مادة على حدة ، والكفايات الخاصة تتعلق بكل مفردة من مفردات كل وحدة دراسية ويستحسن الا تزيد على اثنين ، وهذه الأخيرة منها تشتق القدرات ومستوياتها التي يتم العمل على تحقيقها ديداكتيكيا داخل القسم ، وهذا التقسيم العملي هو الأقرب للصواب في نظرنا ، أما الكفايات الأساسية ، فهي الكفايات الخمس المشهورة /استراتيجية /تواصلية .....)
مدققة ، وخاصة ؟ كما يمكن التساؤل أيضا عن مدى إمكانية فرض سلم كفايات معين على هذه المجموعة من المتعلمين دون الأخرى ، وما يمكن أن يؤدي إليه تصور من هذا القبيل من تمييز بينهم ، يلغي أو يكاد مبدأ تكافؤ الفرص ؟ وماذا عن تقويم المهام
المؤدية إلى ظهور الإنجاز في شكله النهائي ؟ وتقويم الوضعيات التعليمية ؟ وما نصيب تقويم الكفايات من الموضوعية ، أو كيف نقومها موضوعيا ؟ وما هي أنواع التقويم التي يمكن اعتمادها في تقويم الكفايات عموما ؟ بل كيف يمكن أن نقوم كفايات النظام التعليمي ككل ؟ ومتى ينبغي أن يتم ذلك التقويم ؟ هل نهاية كل مستوى دراسي ؟ أو نهاية كل سلك ؟ ، وهل التخطيط للتقويم سابق على التخطيط للتدريس أو العكس هو الصحيح ؟ أم هما متداخلان بحيث يصعب الفصل بينهما عمليا ؟ ...وغير ذلك من التساؤلات المشروعة التي تفرض نفسها في باب تقويم الكفايات بشكل عام .
ليس هدفنا أن نجيب على هذه الأسئلة كلها الآن ، لأن ذلك سابق لأوانه باعتبار جدة هذه البيداغوجيا ، بقدر ما نهدف إلى إلقاء بعض الضوء على موضوع تقويم الكفايات جملة فنقول :
باعتبار أن الكفاية تتجسد في الإنجاز الناجح ، وفق معايير تحدد مسبقا بالضرورة ، وأن من شروط هذا الإنجاز ، أن المتعلم يقوم بحشد مجموعة من الموارد المندمجة (معارف نظرية ، معارف تجريبية عملية عامة وشخصية . استراتيجيات معرفية . آليات وأدوات معنوية ، مهارات عقلية وحركية ، استحضار مجموعة من القيم ...) و أن يتم تجسيد الإنجاز عبر مجموعة من الأنشطة والمهام ، في إطار وضعية أو وضعيات محددة ومختارة ؛ بالنظر إلى ذلك ، فإنه يمكننا القول بأننا لا نقف على خلاف بين الباحثين في المجال ، بإمكانية تقويم الكفاية أو الكفايات ، لوقوع آثارها موقع الحس والملاحظة ، وتعذر أو صعوبة تقويم القدرة أو القدرات باعتبارها عمليات باطنية ، لكننا نرى أنه أصبح من الضروري بل الحيوي الآن ، التفكير في وضع نموذج ، بل نماذج عملية للتقويم في هذا المجال ، لتكون منوالا ينسج عليه الأستاذ العامل بالميدان أولا ، والمفتش المراقب ثانيا ، والجهات المسؤولة عن الامتحانات الجزائية أيضا ، وهو ما يمكن تخصيصه ببحث مستقل ، نظرا لطبيعة الموضوع الحيوية التي تتباين حسب خصوصيات المواد الدراسية كلا على حدة ، ويبقى على كل مدرس أن يؤسس لبنك أسئلة خاص به ، يبنيه بشكل تدريجي موسما بعد آخر ، وصولا للفاعلية المطلوبة .
وليس معنى هذا أن يعتقد معتقد بأن عملية التقويم هي عملية مستقلة بذاتها ، بمعزل عن عملية التطبيق العملي الميداني للكفايات ، أو بمعزل عن باقي مراحل عملية التدريس والتعليم ، وعلى رأسها مرحلة الإعداد للدرس أو دروس الوحدة ككل ، باعتبارها عملية تأتي في نهاية الفعل التعليمي التعلمي ، بل هو عملية مندمجة ذات بعد شمولي يستحضر المكتسبات والتعلمات بكل تجلياتها ، وينبغي أن يتم النظر إليها من خلال هذا البعد الذي لا ينفك عنها .
إن الموضوعية العلمية تقتضي أن أي تقويم موضوعي للكفايات ينبغي أن يبدأ التخطيط له واستصحابه مع مرحلة الإعداد للدرس أو الوحدة وليس بعدها ، بدءا بجرد القدرات المستهدفة من خلال الكفايات المسطرة في المنهاج ، مرورا بتحديد الوضعية أو الوضعيات التعليمية المناسبة للقدرات ومستوياتها التي تم جردها وتحديدها انطلاقا من كفاياتها، وصولا إلى تحديد معايير الإنجاز المرتقب للتلاميذ ، مع تحديد المهام الإجرائية المساعدة على تحقيق المطلوب ، دون إغفال الوسائل والمعينات ، وكذا إعداد سيناريوهات للتعثرات المحتملة وإجراءات مواجهتها ، كل هذه المكونات وغيرها تشكل أساسا لعملية تقويم مدى تحقق الكفاية أو الكفايات بشكل عام ، وهي عملية مركبة على كل حال ، لكنها عمليا قابلة للتنفيذ والأجرأة ، ومن شأن ضبطها ، والتدرب عليها أن يريحهم أكثر ، وأن يقلب الأدوار التقليدية المرهقة التي درج عليها السادة المدرسون رأسا على عقب ، حيث تجعل منهم موجهين ومساعدين على التعلم الذاتي لمتعلميهم ، وتمكينهم من تحويل مهاراتهم وتصريفها في وضعيات مختلفة ، بدلا من اقتصارهم على التلقين والتعليم فحسب .
فإذا كانت عملية تقويم الكفايات عملية مركبة ، وذات طبيعة شمولية مستمرة مواكبة للعملية التعليمية من الإعداد إلى التقويم الإجمالي ، تعديليا كان أو جزائيا ، فإنها بالضرورة تؤدي في النهاية إلى الحكم بتمكن المتعلمين من هذه الكفاية أو الكفايات أم لا من خلال أشكال وصيغ تقويمية مختلفة ، وإذا ما تحققت هذه الكفاية ، فبأية نسبة تحققت ؟ وإذا لم تتحقق ، فلابد هنا من اتخاذ المبادرة في إطار التقويم المواكب للعملية التعليمية أو التقويم الإجمالي ، بمراجعة الطريقة أو الوسيلة ، أو الوضعية التعليمية التي قدمت في إطارها الكفاية وما إلى ذلك ، بحثا عن موطن الخلل من أجل محاولة تجاوزه آنيا ، أو التخطيط لتجاوزه خلال حصص التطبيق أو حصص الأنشطة المبرمجة ضمن التوزيعات الدورية ، بمعنى البحث عن الأسباب الذاتية أو المادية أو الموضوعية التي أدت إلى النتيجة المتوصل إليها سلبا أو إيجابا ، لتجاوز ما هو سلبي ، وتعزيز الإيجابيات وتكريسها ، مما يعني استثمار التغذية الراجعة بشكل فوري للتعديل الديداكتيكي ، أو التعديل على مستوى الوسائل الموظفة ، أو الأساليب والطرق البيداغوجية ، بما يضمن تعلما أفضل ، ومردودية أحسن ، وصولا إلى جودة تعليمية تعلمية أجدى ، باستثمار حصص التطبيق والأنشطة ، وهكذا .
يتبين مما سبق كيف أن عملية التقويم في بعدها السيكولوجي والبيداغوجي هي عملية ذات طبيعة شمولية ، وأنها كذلك وفي الآن نفسه تتسم من الناحية العملية بطبيعة تشعبية على المستويين العمودي والأفقي ، بحيث يمكن التنظير لها وممارستها عموديا من أعلى قمة الهرم التربوي ، إلى نتائج تقويمات الممارسة الديداكتيكية للمنهاج الدراسي داخل الفصول أو حسب المستويات الدراسية والأسلاك ؛ كما يمكن النظر إلى عملية التقويم أفقيا من خلال استهداف مردودية البرامج التربوية ككل ، من خلال تحديد مدى قرب أو بعد المتعلمين من تحقيق المواصفات المسطرة التي يستهدفها النظام باستصحاب المدخلات والمخرجات ، وبذلك يبقى المتعلم في صلب الاهتمام في هذه العملية بكل مكوناتها ، أو ليس هو المحور الأساس الذي تدور حوله كل الجهود المادية والمعنوية ، كما يبقى استهداف تمكنه من أدوات تحليل وإنتاج المعرفة ، ومساهمته الإيجابية في عملية التنمية الوطنية بشكل مستدام من المعايير الأساسية لكل تقويم هادف ، وبذلك فقط ، يمكن أن تكون المدرسة شريكا أساسيا في التنمية البشرية عن جدارة .

مقترحات
من أجل تقويم أكثر وظيفية للكفايات .

1 / مفاهيم أساسية :
التحصيل : هو مجموع ما اكتسبه التلميذ من :
 مهارات ،
 ومعارف،
 ومواقف ،
 وقيم ،  في فترة زمنية معينة ،  مقارنة بمجموعة المهارات والمعارف والمواقف والقيم المطلوب اكتسابها.
الكفاية : هي القيام بعمل معين أو تحقيق إنتاج مطلوب ، بكفاءة وفاعلية في مجال ما ، وعلى بمستوى من الأداء محددة معاييره .
الكفايات الأساسية : هي مجموعة الكفايات المؤتلفة والمتكاملة فيما بينها ، التي يجب إتقانها على مستوى معين كحد أدنى ، كي يتمكن الطالب من متابعة التعلم ، بحيث لا يجوز الجهل بها ؛ وهي لا تتعارض مع إتقان كفايات أخرى ومع إنماء الشخصية .
الإتقان (التمهير): هو وصول الطالب في أدائه التعلمي إلى مستوى يرتفع تدريجياً من معظم المطلوب تعلمه ، إلى تغطية كل المطلوب.
2 / أنواع التقويم :
تقسيمات التقويم وأنواعه مسألة حيوية ومهمة على مستوى توحيد الرؤى ، باعتبار ارتباطها بالهدف من التقويم ، وباعتبار طبيعة التقويم في الآن نفسه ، ومن هذه الأنواع نذكر على سبيل المثال :
أ – من حيث طبيعة التقويم هناك نوعين رئيسيين هما :
التقويم الجزائي : ويسمى أيضا بالتقويم الإشهادي ، وهو التقويم الذي تقوم به الجهات الوصية في صيغة امتحانات رسمية ، تمنح بموجبها دبلوما أو شهادة بميزة أو بدونها ، عند نهاية سلك معين .
القويم التعديلي : وهو التقويم الذي يتم اللجوء إليه عبر كافة مراحل التعليم والتعلم بشكل مواكب ، بهدف تعزيز وتطوير ، أو تعديل مسارات اكتساب الكفايات المسطرة ، وتندرج تحت هذا القسم الرئيسي كل أنواع التقويمات التي يقوم بها المدرسون ، والمفتشون ، والسلطات الرسمية الوصية ، وهي تقويمات ينتج عن كل منها قرارات بحسب موقع كل مقوم.
ب – أما باعتبار الهدف من إجراء التقويم ، فيمكن أن نذكر كذلك :
إن تحديد الهدف من أي تقويم يشعب أنواع التقييم ، ويجعلها تتأرجح بين تقييم الأداء ، بمعنى إصدار حكم قيمة عليه من خلال إنجاز محدد ، والتأسيس على ذلك لبلورة أساليب التدخل الممكنة والملائمة ؛ وبين تقويم الأداء أو التعلمات ، بمعنى إصلاحه ، أو تطويره حتى يقارب الهدف المنشود ، وهو التمكن من الكفايات المحددة في صورتها التكاملية.
وبهذا المنظور ، تتأكد حقيقة الفرق بين مصطلحي التقييم والتقويم من جهة ، كما يمكن تحديد مجالات التدخل بالنسبة للفرقاء التربويين ، حيث يمكن الحديث عن :
التقويم التشخيصي : وهو عملية تجمع في الوقت نفسه بين تقييم وتقويم تعلمات محددة أساسية لحصول التعلمات الجديدة .
التقويم التكويني : هو عملية تشخيصية تصحيحية مستمرة مواكبة لفعل التعليم والتعلم ، تهدف إلى ضمان إحداث التعلمات المطلوبة مع توفير تغذية راجعة لمعاودة التعليم والتقويم من دون إصدار أحكام على المتعلم أثناء تعلمه ، وذلك بقصد تحسين مردود عملية التعلم والتعليم وتفعيل المكتسبات وبناء الشخصية .
التقويم الإجمالي : وهو تقويم شامل يتم عند نهاية حصة ، كما قد يكون عند نهاية وحدة دراسية ، وقد يكون عند نهاية موسم دراسي ، كما هو الشأن عند نهاية سلك دراسي معين ، وهذا النوع من التقويم هو الغالب في التقويم الإشهادي ، كما يتم اللجوء إليه في التقويم التعديلي أيضا .
التقويم التجميعي : كما هو باد من تسميته ، فهو تقويم يهدف إلى تجميع ما أمكن من المعطيات حول ملمح كل متعلم profile ، ومسار تعلمه ، ووتيرته ، وتطوره ، وذلك في بطاقات خاصة ، تشكل مرجعا ومنطلقا مساعدا للحكم عليه متى دعت الضرورة لذلك ، واتخاذ القرارات المناسبة بالنسبة لمسار حياته المدرسية .
والله الموفق .






هذه الموضوع من موقع شبكة التربية الإسلامية للأستاذ
http://ostad.medharweb.net

عنوان الرابط لهذه الموضوع:
http://ostad.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=189